هدف تجمعنا هو الأصلاح والعمل على التقرب الى الله سبحان وتعالى قدر الأمكان وتغيير الأنحطاط الأخلاقي الذي عصف بالبلاد العربية عامة والعراق خاصة ونسأل الله ان يوفقنا لعمل ماهو فيه صلاح لأمة محمد هذه الأمة التي افنا عليها الرسول الأكرم (ص) عمره الشر
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 طول الغيبة مدعاة لليأس عند ضعاف القلوب:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
خليل السراي
الاداره العامه


عدد المساهمات : 53
تاريخ التسجيل : 04/05/2011

مُساهمةموضوع: طول الغيبة مدعاة لليأس عند ضعاف القلوب:   الخميس مايو 19, 2011 1:15 pm

في هذه السورة محطّة أخرى مهمّة وهي أنَّ تطاول غيبة وليّ الله الموعود بالبشارة لكونه مصلحاً ومنقذاً للبشرية، هذا التطاول في الغيبة مدعاة لليأس عند ضعاف الإيمان أو ضعاف العقول التي لا تدرك مدى قدرة الله، ولا تستيقن بحقيقة المعرفة والإدراك من أنَّ الله غالب على أمره مهما تطاولت الدهور والعصور، فيحصل لهم اليأس، لذا تؤكّد هذه الآية أنَّه من عظائم الإيمان الانتظار والأمل بمجيء الفرج، لأنَّ اليأس من روح الله جعل في لسان هذه الآية على لسان النبيّ يعقوب في مصاف الكافرين، فإذن تطاول المدّة لا يعني بأنَّ الله عز وجل في تدبيره على يد وليّه الغائب جعل الأمور أو الحبل على الغارب، بل كلَّما كان هنالك تدبير كانت هناك خطوات متناسقة متّسقة لا يطلع الله عباده على تدبيره ولا على تنسيقه، ونحن نشاهد في هذه الأزمنة الآن أنَّ البشرية ترفع وتنادي بشعارات وأدبيات لا تنسجم مع الإنجيل المحرّف، ولا تنسجم مع التوراة المحرَّفة، ولا تنسجم مع البوذية ولا تنسجم مع الفلسفة المادّية الرأسمالية، وإنَّما تنسجم مع أدبيات وعقائد الإسلام، لاسيّما من رؤية مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فالنظام العالمي الواحد يعني أنَّ البشرية تتساوى في الحقوق، وأنَّ العدالة يجب أن تعمّ البشر، وأنَّ الحرّية يجب أن تكون عميمة في سائر أرجاء الأرض و...، وهذه في الواقع ثوابت العقيدة المهدوية أصلاً، والرؤية والعقيدة بالإمام المهدي أنَّه يؤسّس نظاماً عالمياً واحداً تستوي فيه حقوق الناس لا يحكمه العرق ولا القومية ولا أيّ شيء آخر يكون موجباً للتفريق بين البشر (يملأها قسطاً وعدلاً)، أنظر هذه الأدبية، فهي من أربعة عشر قرناً يردّدها المسلمون في رواياتهم حول المهدي (عليه السلام).
وحتَّى الدول الغربية التي لو راجعنا فلسفاتهم في الإنجيل المحرّف أو التوراة المحرّفة، تلك الأدبيات التي لا تنسجم ولا تتناغم حتَّى مع أعرافهم التي هم يتعايشون ويبنون عليها أعرافاً قانونية لا تتناغم مع هذه الشعارات التي تطلق الآن، وهي جذّابة أخّاذة بقلوب البشر وبكلّ الجوامع والمجتمعات البشرية. إنَّما هذه في الواقع رؤى وأدبيات العقيدة المهدوية، فهناك حلقات يديرها الله عز وجل تترى ويتلو بعضها البعض، وهذه محطّة مهمّة تدعونا إلى التوقّف عندها، ومن ثَمَّ ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنَّ: (انتظار الفرج من الفرج)(1)، و(أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج من الله عز وجل)(2)، لماذا؟
لأنَّ انتظار الفرج يحمل في طيّاته تمام الاعتقاد بقدرة الله عز وجل وبغابر تدبيره وثاقب أمره، ونافذ قضائه الذي لا يحيط به البشر، في الحقيقة يعني نوعاً من التعايش التوحيدي لقدرة الله تعالى، أمَّا الذي يكذّب وينكر تدبير وجود وليّ الله (عليه السلام) وأنَّه في كبد الحدث والتصدّي لهذه الأدوار، وأنَّ الله سيظهره في حلقة نهائية، فهو انقطاع عن الحالة التوحيدية بالدرجة المشبعة التي يتعايش بها قلب الإنسان.
إنَّ الإنسان إذا استطاع أن يتعايش مع جوّ توحيدي مفعم كما تعبّر عنه وتربّينا عليه هذه الآيات الكريمة في ظاهرة غيبة النبيّ يوسف، كقوله تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 83)، وقوله: (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ * يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (يوسف: 86 و87)، فالصبر تارة يكون جميلاً وتارة يكون غير جميل، الصبر الجميل الذي يكون مع وقار وطمأنينة واستبشار، ولربَّما هناك صبر مع معان اُخر، فرغم غيبته وطولها إلاَّ أنَّه موعود بالبشارة.
فهذه محطّة مهمّة توجب على الأمّة أن لا تيأس ولا يصيبها الهوان إذا غاب عنها وليّها، بل مهما طالت غيبة حجج الله المبشَّرين بأنَّهم سيكونون المصلحين والمنقذين للبشر، لأنَّ غيبتهم غيبة الشعور بهم، غيبة المعرفة بهم، سواء قصرت هذه الغيبة أم طالت فلا بدَّ أن يأتي ذلك اليوم الذي يأخذ به الأولياء المغيَّبون دورهم الطبيعي العلني وبشكل شامل يعمّ البشرية.
هذه وقفة مهمّة في غيبة النبيّ يوسف يعظنا بها القرآن الكريم، وهي غيبة عقائدية وممارسة أخلاقية وأدبية هامّة جدَّاً، وأيضاً الآيات الأخرى، يقول تعالى: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) (يوسف: 84 و85)، يخاطبون يعقوب ألا زلت إلى الآن تذكر يوسف الموعود؟ إلى الآن متعلّق قلبك بهذا الغائب المبشّر بأن يكون مصلحاً وموعوداً وممكّناً في الأرض؟ إلى الآن مع طول هذه المدّة؟ هذا أمر مهمّ يجب أن نلتفت إليه، حيث قصَّ لنا القرآن الكريم موقف النبيّ يعقوب: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً)، (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ)، كما يعلّمنا النبيّ يعقوب (عليه السلام) وظيفة المؤمن تجاه حجّة الله الغائب، ووليّ الله الموعود بأنَّه المصلح المنقذ للبشرية، لا بدَّ أن تكون هناك شدّة تعلّق وشدّة تذكّر وشدّة ندبة للحقّ والإيمان؛ لأنَّ هذا الإيمان بوليّ الله الغائب ومعرفتنا به لا يبقى ولا يستمرّ إلاَّ في ظلّ التشديد والتركيز من التعلّق والأمل، لذلك نرى هنا الآيات الكريمة تركّز على هذه النقطة من مواقف النبيّ يعقوب (عليه السلام) في ظلّ غيبة النبيّ يوسف، وهنا يعلّمنا القرآن الكريم الموقف تجاه وليّ الله الغائب ومعرفتنا به، الغائب شعورنا به وبهويته، أنَّه لا يدعونَّكم ذلك إلى الانقطاع والفتور عن ذكره والتعلّق به والدعاء له بالفرج، فلا بدَّ من كلّ ذلك، فقد ورد عن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) دعاء الندبة الذي يستحبّ قراءته كلّ جمعة، بل كلّ عيد، بل كلّ يوم، لماذا؟ لأنَّ الندبة دعاء وشكوى وتعلّق. وإذا كان لكلّ إمام من الأئمّة (عليهم السلام) مجلس عزاء لما انتابه من مصائب وقتل وظلم وتشريد وأنواع المصائب، فإنَّ مجلس مصاب الحجّة (عليه السلام) هو شدّة معاناة الغيبة، فدعاء الندبة يحمل عدّة معانٍ في طيّاته، فهو مجلس عزاء لهذه المصائب التي ابتلي بها إمامنا المهدي الحجّة ابن الحسن (عليه السلام)، فيجب أن نقيم مثل هذا العزاء في الواقع.
أوَلا نرى ماذا يحدّثنا القرآن الكريم وكيف يربّينا على التعلّق بمن نعتقد ونؤمن به، إذ لا تخلو الأرض من خليفة لله، بنصّ القرآن الكريم حيث يقول: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (آل عمران: 7)، وأهل البيت هم الراسخون في العلم الذين يعلمون تأويل الكتاب، وهم قرناء القرآن دائماً وأبداً بنصّ قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة: 77 _ 79)، وهم المطهَّرون لقوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33)، فإذن أهل البيت مقرونون بالقرآن، ولا بدَّ من وجود فرد منهم مع البشرية إلى يوم القيامة ويبقى ما بقي القرآن الكريم.
فالاعتقاد بهذه الحقائق والعقائد القرآنية لا بدَّ أن يرتسم ويتجسَّد في سلوكنا، وذلك من خلال التعاطي مع هذه الحقائق الإيمانية القرآنية من وجود خليفة لله في الأرض على مرّ الزمان من بدء الخليقة إلى منتهاها يُزوّد بالعلم اللدنّي وهو علم الأسماء، وكثير ممَّا تطالعنا به الآيات القرآنية (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ) (الرعد: 7)، فلكلّ قوم هادٍ من الله يهديهم، (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: 6 و7)، أولئك هم الهداة المبعوثون المنصوبون من قِبَل الله تعالى لهداية البشرية، هذه حقائق وعقائد قرآنية لا نتخلّى عنها، بل نستمسك بها، وهي في أهل بيت نبيّه الذين طهَّرهم وجعلهم قرناء في سورة الواقعة مع الكتاب المكنون: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ)، هذه العقائد كيف تترجم في سلوكنا العملي؟ يعلمنا القرآن الكريم هنا ما قام به النبيّ يعقوب تجاه النبيّ يوسف الغائب: (قَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ)، يظهر التحسّر، كما نقرأ في دعاء الندبة من إظهار الشكوى وإظهار التأسف: (هَلْ قَذِيَتْ عَيْنٌ فَسَاعَدَتْهَا عَيْني عَلَى الْقَذَى، هَلْ إِلَيْكَ يَا ابْنَ أحْمَدَ سَبِيلٌ فَتُلْقَى)، أنظر هذه التربية من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، هي سُنّة من القرآن الكريم، من النبيّ يعقوب تجاه النبيّ يوسف، هذه السنن الإلهية (لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُِولِي الأَْلْبابِ) للمؤمنين وليس للمكذّبين اليائسين القانطين من قدرة الله ومن روح الله، سنن إلهية نتَّعظ بها ونتدبّره، (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) (محمّد: 24)، (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر: 17)، أنظر إلى موقف النبيّ يعقوب المؤمن بوعد الله وبإنجاز ذلك الوعد في المصلح، لا يُحبـِط من إيمانه استهزاءُ المستهزئين، ولا يضعف من يقينه ولا من أمله تكذيبُ المكذّبين واستهزائهم، (وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (يوسف: 84)، لاحظ هنا التشوّق إلى أن عميت عيناه.
الغريب أنَّ البعض يأخذ علينا إظهارنا لمودّة أهل البيت والعزاء على مصائبهم، ويتناسون أنَّ القرآن أمرنا بهذه الفريضة العظيمة: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) (الشورى: 23)، وفسَّر القرآن الكريم المودّة في سورة التوبة بأنَّها في مقابل العداوة، لتعرف الأشياء بأضداده، فعندما يفسّر العداوة يكون القرآن قد فسَّر لنا المودّة، (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) (التوبة: 50)، فإذا كان يعادي النبيّ وأهل بيته فهو يفرح عند مصابهم، ويستاء عندما تصيبهم حسنة.
فالمودّة هي: (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)(3)، وهذه فريضة عظيمة قد أمرنا بها القرآن الكريم، فانظر مودّة النبيّ يعقوب للغائب ابنه الذي هو الموعود المُنجي للبشر، حيث بلغ منه الحزن والتعلّق والتشوّق إلى وليّ الله إلى أن تبيضّ عيناه ويعمى. فهل نستكثر البكاء والرثاء على سيّد الشهداء (عليه السلام) سبط المصطفى وريحانة النبيّ وسيّد شباب أهل الجنّة، أو نستكثر عليه اللطم وإظهار الجزع!؟ فهذا النبيّ يعقوب هكذا فعل بنفسه تجاه ولده، وهم كذلك يستكثرون علينا أن نتعلَّق بشدّة بالإمام المهدي وإظهار الندبة والحزن لفقده، فمع علم يعقوب بأنَّ ابنه الغائب يقوم بتلك الأمور والأدوار المفصلية في نظام البشر، إلاَّ أنَّه قال: (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ)، ولكنَّ المستهزئين والمهرّجين قالوا: (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ)، يعني أنت إلى الآن متعلّق به! إلى الآن مؤمن به! إلى الآن لك أمل به! (حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ * قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ)، أعلم من الله بأنَّ هذا الوعد بعلم من الله، ورؤيا الأنبياء وحي، والوحي من الله لا يكذب ولا يكذّب أنبياءه، (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ).
فهذا موقف مهمّ لوظائف المؤمنين بحجّة الله الغائب في زمن الغيبة، أن لا يضعف إيمانهم ولا يضعف تعلّقهم ما داموا على برهان وبيّنة من ربّهم، وأنَّ هذا الأمر وهذا التعلّق وهذا الانشداد إلى وليّهم الغائب لا يؤثّر فيه استهزاء المستهزئين أو تهريج المكذّبين الذين لا يعون آيات الله وبيّناته وحقائقه القرآنية.
دروس تربوية من سورة يوسف:
النبيّ يعقوب (عليه السلام) كان أمله وطيداً وشديد، وذلك ليقينه بروح الله وبقدرته وأنَّه لا يخلف وعده.
هذه كلّها دروس في إثبات انتظار الفرج، وأنَّ انتظار الفرج أفضل أعمال هذه الأمّة كما ورد في الحديث النبوي، وأيضاً نلاحظ هناك درساً تربوياً آخر يذكره القرآن الكريم في مواقف النبيّ يعقوب، ألا وهو شدّة تعلّقه وانشداده بابنه الغائب الموعود بكونه المصلح المنجي المنقذ للبشرية، فمن شدّة تعلّقه به أن وصل به الأمر إلى كثرة البكاء، وكثرة البكاء جرَّت إلى ابيضاض العين وهو عمى العين، ممَّا يدلّل على أنَّه يُفتدى في حبّ الأولياء والحجج، ويُسترخَص في سبيل الفضيلة كلّ غالٍ ونفيس.
بل ويعظم ويكرم من شأنه أن يبذل في سبيل الفضيلة، فكيف بمن حثَّ الله على مودّتهم وهم قربى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعَلَها عدل أجر الرسالة كما مرَّت بنا الآية الكريمة، ممَّا يدلّل على أنَّ هذه الشدّة من التعلّق مؤكّدة وموطّد لها كما في سنن الأنبياء هو هذا التعلّق من النبيّ يعقوب بالنبيّ يوسف ليس تعلّقاً لمجرَّد قدرة الخيال ومراحل الواهمة أو إسطورية الخيال وما شابه ذلك، بل هذه عبر وسنن أرادها الله عز وجل أن يستنّ بها الآخرون، إذ هو أن نقتدي بها من النبيّ يعقوب في كيفية تعلّقه وحبّه بالوليّ الغائب الموعود وهو وليّ الله وحجّته في ذلك الزمن وفي تلك الحقبة لإنجاء البشرية، وهذا درس تربوي، وهو أنَّ هذا الإنشداد ولو بلغ إلى ابيضاض العين فهو محمود وهذه فضيلة وهذه مكرمة وكرامة، فكيف بالمودّة التي قد أعظم الله في بيانها حيث جعلها عدل الرسالة التي فيها التوحيد وفيها النبوّة وفيها المعاد وفيها أصول الدين حيث جعلها في كفّة وجعل مودّة أهل البيت (عليهم السلام) في كفّة.
وهذا بيان وتعظيم كبير للمودّة، فهي فريضة لا تعدلها بقيّة الفرائض بعد التوحيد والنبوة والمعاد، فريضة المودّة لذي القربى وهم أهل البيت، وهذا نوع من التشديد في بيانها وفي اقترانها، وقد بيَّن القرآن أنَّ من شواكل المودّة اشتداده، كالذي جرى بين النبيّ يعقوب والنبيّ يوسف، فإنَّ من يريد أن يفهم سنن الله في أنبيائه والعبر التي يوحي بها القرآن الكريم ليعلم بأنَّ هذا الدرب محمود العاقبة رفيع الفضيلة وهو الذي أوصى به القرآن الكريم، فليس عليه من ذمّ الذامّين أو شنئ الحاقدين والمبغضين بعد ذلك من غضاضة، وهذه الوظيفة في الواقع هي التعلّق بالإمام المهدي الغائب (عليه السلام)، كيف لا وهو آخر العترة من ذوي القربى، المأمورون نحن بمودّتهم وبالتعلّق بهم والاعتقاد بهم.
الظهور بعد الغيبة للنبيّ يوسف (عليه السلام):
بعد ذلك تتواصل ظاهرة النبيّ يوسف، قال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: 88 _ 90)، هذه المحطّة من ظاهرة النبيّ يوسف التي هي نهاية الغيبة وبداية الظهور المعلن واكبت مرفقاً مهمّاً جرى بين النبيّ يوسف وإخوته والملأ العامّ، حيث إنَّ النبيّ يوسف استهلَّ ظهوره وابتدأه بتذكير إخوته بالذي جرى منهم من قبل، هذا التعبير يشاكل ما ورد في الروايات عن ظهور المهدي (عليه السلام)، حيث يذكّر الأمّة بما قد جرى على سيّد الشهداء وما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من ظلامات وجرائم ونهب حقوق وجرأة على مقامهم ودفعهم عن المقامات التي رتَّبها الله لهم، واستعراض لمصائب وظلامات أهل البيت (عليهم السلام).(4)
هذا الواقع يسطّره لنا القرآن الكريم عن يوسف وعن الإمام المهدي، وما ورد في الروايات هو نوع من بيان أنَّ الاستحقاقات تستوفى في ظلّ ظهور المصلح المنجي المنقذ.
(قالُوا أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ)، فهم لم يكونوا ليعرفوا أنَّه يوسف، رغم تعاطيهم معه ومداولة الحديث معه وتأثّرهم بتدبيره ودوره العصيب الخطير المهمّ، ومع ذلك لم يكونوا ليعرفوه لولا أن عرَّفهم هو بنفسه وبشخصيته وهويته، فكانت غيبة ظهور لشخصيته، غيبة ظهور لهويته، بالنسبة إليهم هو حاضر بين أيديهم يمارس دوره، لكنَّهم لم يكونوا يعرفونه، فهويته لهم كانت غائبة.
نلاحظ أنَّهم ابتدأوا: (أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ)، فإنَّ بداهة حضور النبيّ يوسف الغائب عليهم أكثر بياناً ووضوحاً وبداهة لهم ممَّا يحملونه من مرتكزات سابقة، ممَّا يدلّل على أنَّ مثل هذه الغيبة في الحضور هي بنحو واضح بيّن فاعل مع كلّ الأمور، غاية الأمر تطبيقهم لمن هو حاضر لهم ومتفاعل معهم وهم متفاعلون مع ما يحملونه من اعتقاد نظري، هذا الانفراج بالمعرفة لا يحصل إلاَّ عند الظهور، فهنا وصل المطاف إلى إعلان ظهور النبيّ يوسف (عليه السلام)، وظهوره كما نشاهده تدريجي، حيث إنَّ أوّل ما بدأ ظهور النبيّ يوسف كان في دائرة إخوته الحاضرين من الملأ من البشر عنده في مصر، ثمّ بعد ذلك تنامى هذا الظهور وتسامع به الناس ومن ثَمَّ أبوه النبيّ يعقوب، وهذا يدلُّ على أنَّ الغيبة كما كانت في النبيّ يوسف تدريجية كذلك يكون ظهوره تدريجي، وهنا جاء تعبير النبيّ يوسف (عليه السلام) في الصبر على طول مدّة الاضطهاد فإنَّ أجره عند الله تعالى لن يضيع، (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ * قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 90 _ 92)، وهذا ما قد قاله سيّد الرسل عندما فتح مكّة، نعم كان منه الصفح والعفو، وهذا ما سيكون عليه الإمام المهدي (عليه السلام) إذ يسير بسيرة جدّه المصطفى في العفو، ومن أصرَّ من الأعداء المعاندين في اللجاج والخصومة فتكون سيرته معهم بشكل آخر، وإلاَّ فالأصل في سيرة المهدي (عليه السلام) أنَّه يسير بسيرة جدّه المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن كان قد ورد أنَّ المصطفى بُعث رحمة والمهدي بُعث نقمة،(5) فالمقصود من ذلك أنَّه يسير بسيرة جدّه يعفو ويصفح، لكن من يركب رأسه اللجاج والعناد ينتقم منه ولا يكون له مهلة كما قد كان في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
الأسباب الملكوتية:
قال تعالى: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) (يوسف: 93)، يبيّن القرآن الكريم هنا أيضاً أنَّ النبيّ يوسف وأولياء الله يقومون بتدبير أدوارهم في جملة من المواقع بالأسباب الطبيعية، لكنَّه بتدبير نظمي ربّاني يفوق وعي البشر وعلمهم، ولكنَّه بأسباب طبيعية وبأسباب مجريات كما قيل: (أبى الله أن يجري الأمور إلاَّ بأسبابها)، ولكن لهم أيضاً في جملة تدبيرهم من الأسباب الخفية أو ربَّما يطلق عليها بأسباب الملكوت، فهنا ليست بمقام الإعجاز أو في مقام الاحتجاج، بل هي كرامة، لكنَّها كرامة تدبيرية في أدوار النبيّ يوسف خارجة عن ظاهر الأسباب الطبيعية.
(وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأََجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) (يوسف: 94)، يستعظم أكثر من يخلد إلى الحسّ وسجن الحسّ وأصالة الحسّ والمادة مثل هذه الظواهر أو يتنكَّر لمثل هذه الموارد، وربَّما يصعب عليه الإذعان به، (قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمَّا أَنْ جاءَ) (يوسف: 95 و96)، لاحظ أنَّه لا زال الذين يستهزئون بالانتظار للفرج في خصومتهم ومشادتهم ومواجهتهم لعقيدة الانتظار للفرج التي كان رسَّخها وسنَّها النبيّ يعقوب، عقيدة الانتظار والأمل بوليّ الله المصلح الغائب ظهوراً وليس الغائب حضور، فهم يعتبرونه ضلالاً، وهذه دروس قرآنية عظيمة تعطى للمؤمنين. مفادها أنَّ رغم استهزاء وتهريج المكذّبين والمنكرين لآيات الله ولحقائق القرآن في وجود المصلح المنقذ المنجي للبشرية الذي (يُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)، هذا الوعد الإلهي والإيمان به لا يزلزله ذلك التهريج وذلك الاستنكار وتلك الخصومة وتلك المعاداة عن هذه العقيدة القرآنية بظهور المصلح المنجي المنقذ الموعود الذي يملأها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
بعد ذلك تسرد لنا الآيات: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (يوسف: 96)، هذا تذكير من المنتظرين للفرج بظهور الوليّ المصلح الحجّة لأولئك الناكرين الجاحدين المستهزئين، (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ)، هنا يأتي دور إخفاق المكذّبين، (قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ) التي هي البشارة بالتمكين والظهور بعد الغيبة والتمكين لإصلاح الأرض من الفساد الذي كان ربَّما يعصف بالبشرية لولا تدبير النبيّ يوسف (عليه السلام)، (مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَْحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالأَْرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 97 _ 101)، الآيات الكريمة تواصل أخذ العبر من ظاهرة النبيّ يوسف وتأتي إلى هذا المقطع: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الآْخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) (يوسف: 109)، تطرح آخر الآيات من سورة النبيّ يوسف مقطعاً مهمّاً جدَّاً وهو: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)، أنظر السُنّة الإلهية أنَّه قد يطول الأمد في تحقيق الأمل الإلهي الموعود، ولكن لا يوجب ذلك الأياس ولا اليأس من روح الله، لماذا؟ لأنَّه في النهاية (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ) إذا انقطعت القدرة البشرية يكون هناك رحمة من الله عز وجل.
مجمل سيرة النبيّ يوسف وظاهرة المصلح المنجي الذي غاب في بدء حياته وترعرع إلى أن ظهر للتمكّن في الأرض، تريد أن تعطي هذا الدرس، وهو أنَّ الأمل الموعود من قِبَل الله في بشائره، كما هو بشارة لهذه الأمّة الإسلاميّة أن يظهر هذا الدين على الكرة الأرضية كافّة، ولن يتحقَّق هذا الوعد على يد أحدٍ غير أهل البيت، حيث إنَّ الدين بدأ بأهل البيت (عليهم السلام) بالنبيّ ونصرة علي، وتدبير النبيّ وابن عمّه علي، بهم بدأ الإسلام وبهم يختم، هذا الوعد الإلهي لأن يظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون مهما طال الأمد، هذه سُنّة يريد أن يركّز مفهومَها القرآن الكريم في مجمل سيرة النبيّ يوسف، من ظاهرة غيبة المصلح وظهوره بعد ذلك، ثمّ بعد ذلك عند الظهور يأتي كلّ البأس الإلهي على المجرمين المعاندين المكابرين المكذّبين المفسدين الظالمين، يأتي البأس الإلهي ويطهّر الأرض من بأسهم ويعمّ ربوعها الإصلاحُ والعدل والقسط، فهذه سُنّة إلهية إذن، وما دام الإنسان يؤمن بالله لا ييأس من روح الله، وأنَّ الإيمان بالفرج وبالأمل الموعود وبالبشارة الإلهية هو من الإيمان بالله تعالى، وبالإيمان بصدق قول الله وصدق وعده، فهذه سُنّة مهمّة يؤكّدها القرآن الكريم في غياب المصلحين الموعود بظهورهم، والمبشّر بإصلاحهم للأرض وإنقاذهم البشرية، أن يكون الإيمان بهم في امتداد الإيمان بقول الله ووعده ونصره، فهذا إذن من ثوابت وأركان الإيمان بما كان يؤكّده القرآن الكريم.
واعلم _ عزيزي القارئ _ أنَّ هذه الآية الأخيرة في هذه السورة ليست مخصوصة بهذه السورة، بل هي من الآيات المحكمات كقاعدة عامّة وكأصل عامّ قرآني في كلّ القرآن في قصص وسنن الله في أنبيائه: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) (يوسف: 111)، لا ثرثرة ولا دعابة سمر ولا أساطير، وإنَّما عبرة وعبر عقائدية في الأصول وليست عبر في الفروع؛ لأنَّ الشرائع ينسخ بعضها البعض، ولكن ليس ذلك في العقائد، ومجمل ما ذكر من الإيمان بالمصلح وغيبته ثمّ ظهوره محطّات عقائدية، (لأُِولِي الأَْلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)، هذه العقيدة عقيدة المصلح والبشارة الإلهية بإظهار الدين على الدين كلّه على أرجاء الكرة الأرضية كافّة، هذه العقيدة التي بشَّركم بها القرآن الكريم اتَّعظوا بها ممَّا قد جرى من البشارة الإلهية للنبيّ يوسف، لأنَّه غاب وظهر وحقَّق ذلك الأمل والبشارة الإلهية، ففيها تفصيل: (لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ) (يوسف: 7)، وهذا التعبير أيضاً: (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111).
الظواهر القرآنية وسنن الله عز وجل في الغيبة:
هنا ظواهر قرآنية أخرى دالّة على ظاهرة غياب حجج الله، وهي كما أكَّدنا سابقاً غياب ظهور لا غياب حضور، وهم يظهرون بعد مضي أمد مقدَّر من الله عز وجل، وستأتينا ظاهرة النبيّ عيسى (عليه السلام)، ولكن قبل الاستمرار في ذلك نؤكّد أنَّ ما استعرضه القرآن من ظواهر عديدة، ركَّز على جانب من جوانب الحجج الموعودين بالظهور وإنقاذ البشرية، وإحدى الزوايا المهمّة التي تركّز عليها العدسة القرآنية هي ظاهرة غيبتهم وقيامهم بالأدوار في ظلّ الغيبة، الأدوار الخطيرة العصيبة المهمّة في مصير البشرية، رغم عدم معرفة البشرية بهويتهم، وبعد ذلك يصل قدر الله المقدور حين أوان ظهورهم.
نعم هذه الظواهر التي يستعرضها القرآن دواليك لا يفتأ يركّز عليها، ممَّا يدلّل على أنَّ الظاهرة المهدوية والغيبة _ غيبة المهدي في هذه الأمّة _ من السنن الإلهية المهمّة التي تحدث في هذه الأمّة على نسق ووتيرة ما حدث من هذه السُنّة الإلهية في الأمم السابقة، فحينئذٍ ليس من المصادفة وليس من عدم الحسبان في التقدير الإلهي أن يكرّر ويركّز في السور القرآنية العديدة على هذه الظاهرة _ ظاهرة غيبة الحجج _ لاسيّما المبشّرين الموعودين بالظهور، وأنَّهم في ظلّ هذه الغيبة يقومون بأدوار ثمّ يظهرون، هذا التركيز من القرآن الكريم ليس مصادفة، بل عبرة كما مرَّ بنا في قوله تعالى في آخر سورة يوسف عندما استعرض القرآن الكريم ظاهرة البشارة للنبيّ يوسف بأنَّه يظهره الله في الأرض ويمكّن له ليكون مصلحاً وقد غاب غيبة طويلة الأمد إلى أن ظهر.
فهو تقدير ضمن محاسبات إلهية مقدّرة محسوبة، (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ) (النساء: 26)، السنن السابقة يبيّنها الباري تعالى لأنَّها ستقع في هذه الأمّة، (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَانْظُروا)، تلك السنن، (كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (آل عمران: 137)، فهذه وغيرها من الآيات العديدة الدالّة على أنَّ سنن الله تتكرَّر أيضاً، هذه حقيقة من الحقائق القرآنية نعهدها في السور القرآنية، مضافاً إلى ذلك ما مرَّ بنا في قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ).
وهي عبرة أيضاً ووعد لنا على نفاذ هذا الأمر: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ) قد ذكر ذلك القرآن الكريم _ الوعد الإلهي _ في ثلاثة سور في سورة الفتح، وسورة التوبة، وسورة الصفّ، وهذه بشارة محتّمة من الله عز وجل لهذه الأمّة، بأن يظهر الدين دين سيّد الأنبياء على أرجاء الكرة الأرضية كافّة، وقد ورد في روايات متواترة عند الفريقين أنَّ ذلك على يد رجل يواطئ اسمه اسم النبيّ من ذرّية فاطمة وعلي وذرّية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم، هذا الوعد الإلهي محتم في القرآني الكريم، وهذا أيضاً لسان رابع في الآية القرآنية، وهو الذي مرَّ بنا أيضاً في بداية سورة القصص: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَْرْضِ) (القصص: 5 و6).
إذن هناك سُنّة إلهية دائمة تتكرَّر في الأمم هي: أنَّ المستضعفين الصالحين يستخلفهم الله ويجعلهم الوارثين، هذا لسان رابع نجده في القرآن الكريم يدلّل على الظاهرة المهدوية، وأيضاً من الآيات الأخرى التي نشاهدها لسان خامس، وهو: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ)، وهو بيان للسنن الألهية الدائمة في الإصلاح في الأرض، وأنَّ هناك مصلحين منقذين للبشرية من الظلم والفساد، في سورة (الأنبياء: 105): (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)، وهذه كتابة ثانية دائمة حتمية، كالتعبير الذي مرَّ في اللسان الرابع، إرادة إلهية وكتابة لا معدل لها ولا محوَ لها، أوَليست هي كتابة الله، وقد فسّر ذلك المفسّرون أنَّ الزبور ليس المراد منه زبور داود، بل زبر الأنبياء أجمع، وهذه الآية سنقف عندها ملياً بتوفيق من الله تعالى للتدليل على أنَّ المهدي مبشّر في لسان جميع الأنبياء، كما أنَّ المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) بشّر به لإفشاء العدل والقسط في الكرة الأرضية، وقرن اسمه باسمه في البشارة به، (إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ) (الأنبياء: 106).
وبيان سادس في القرآن الكريم متكرّر أيضاً بكثرة بأنَّ العاقبة للمتّقين، وليس المراد منها فقط العاقبة الأخروية، بل المراد منها العاقبة في الدنيا أيضاً، فقد جاء في سورة الأعراف: (إِنَّ الأَْرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128)، ونفس وراثة الأرض والتمكين فيها لإقامة الإصلاح والعدل والقسط فيها سُنّة إلهية، كذلك في سورة الأعراف: (وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (الأعراف: 86)، أي إنَّ المفسدين والمجرمين والظالمين مقطوع دابرهم بظهور المصلح المنقذ المنجي، هذه سنن إلهية.
كذلك في سورة (يونس: 39)، وسورة (القصص: 40): (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ).
قد كتب الله أنَّ الظلم والفساد لا يدوم، بأمد ظهور المصلح المنجي، (فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ) (يونس: 73)، والملفت أنَّ في هذه السنن الإلهية تبيانَ نكتة مهمّة جدَّاً فيها، وهي أنَّ النهاية هي الصلاح والإصلاح في الأرض، وحتمية الصلاح والقسط وتفشّي العدل، وأنَّ من السنن الإلهية أنَّ المراحل المتوسّطة من عهود وأزمنة الأمم دوماً يكون المتغلّب فيها كفّة الظالمين والمفسدين، ولكن العقبى تكون للمصلح المنجي، وهذه سُنّة فيها بصائر قرآنية جمّة، على أنَّ العهود الوسطى المتخلّلة تكون فترات الظلم والفساد وغلبة الظالمين والمفسدين، إلاَّ أنَّ العاقبة تكون بظهور المصلح المنجي، إذن هذه سُنّة دائمة إلهية، بدء الأمم بأنبيائها وهدايتها بالرسل، وتتلوها الفترات المتوسّطة والطويلة الأمد بيد الظالمين المفسدين ومكابدة المستضعفين الصالحين، ولكن العقبى بظهور المصلح المنقذ المنجي، إذن هذه سُنّة إلهية دائمة موجودة، فتأكيد القرآن الكريم على عدم الاغترار بالمرحلة المتوسّطة الآنية الحاضرة، بل لا بدَّ من الاعتقاد بالعاقبة والمآل لظهور الحقّ، وعاقبة المتّقين بظهور المصلح المنجي.
وهذه آيات عديدة من نفس هذه الحقيقة السادسة التي كرَّرها القرآن الكريم في سورة (آل عمران: 137)، وأيضاً في سورة (النحل: 36): (فَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ). ولا استمرار ولا دوام للمكذّب بالحقائق الإلهية وبالغيب الإلهي وبالوعد الإلهي بظهور الصلاح والإصلاح، وإن طالت مدّته، فإنَّ الله يمهل ولا يهمل، (وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى) (طه: 132)، (وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128)، وكذلك: (رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) (القصص: 37).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
الشيخ القنبري
الاداره العامه


عدد المساهمات : 12
تاريخ التسجيل : 22/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: طول الغيبة مدعاة لليأس عند ضعاف القلوب:   الأحد مايو 22, 2011 11:55 am

موفقي انشاء الله في ميزان اعمالكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
طول الغيبة مدعاة لليأس عند ضعاف القلوب:
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات من اجل التغيير  :: قسم الدين الاسلامي-
انتقل الى: